!

مذكّرات إمرأة

مشاهدة
.. المرصد الكردي.

محمد رمو 

17160182_1255764707871742_202767221_n

الأصوات مريبة ،المقابر جائعة ،كان ذاك الإحساس يراودها حينما دخل إبنها آخر عناقيدها ،فتح باب الدار ،وعلامات الخوف بادية على وجهه ،أمي أمي:...أتباع البغدادي قد أتوا محملين راياتهم السوداء. كانت تلك العبارات بمثابة صاعقة ألمّت بهم،لم يكن باستطاعتهم حتّى أن يحملوا أمتعتهم ،وبقايا ذكرياتهم المتناثرة في كل زاوية من زوايا المنزل ،تركوا كلّ شيء وراءهم ،وهجّوا الى الحدود المرسومة بالقنابل والأسلاك الشائكة ،كان ذلك في ١٩/٩/٢٠١٤ التاريخ الذي سيتادوله أجيال فأجيال... كوباني ؛الاسم اللامع في جرائد الصباح ،لكن سرعان ما تحولت تلك الجرائد إلى مماسح لزجاج النوافذ لا أكثر . جلست ،وعيونها الدامعة تجوب بين الجماهير تارةً ،ونحو مدينتها المحترقة تارةً أُخرى ،كلّ شيء كان صاخباً في بادئ الأمر ،حيث الحيرة كانت السبيل والنهاية الأزلية... فتح حرس الحدود الباب لهم ،دخلوا ساحات الوجع من أوسع أبوابها ،حيث المقصد كانت بلدة سروج ،الشقيقة لكوباني التي تعيش مخاضٍ عسير ... الليلة الأولى كانت مؤلمة حقاً ،السهد والأرق لم تترك لها المجال أن تفكّر طويلاً ،السمفونية التي كانت تتردّد هي أنغام فيروز التي كانت تردد في أسماعها "وطني ..عم يخلئ من جديد" مما أسكن في نفسها الطمأنينة قليلاً ،لكن سرعان ما كانت تلك الأنغام تتلاشى ،كانت تفكّر، وتفكّر ماذا عساني أن أفعل !! زوجها التي كان هناك ،على حدود الألم ،ينتظر دوره أن يدخل ،وأطفالها الصبيان منها والبنات ،ماذا ستفعل بهم ؟ وأي دور ستستقبلهم بعد الأن ؟ فكرت أن تسافر إلى عفرين ،أي أن تدخل سوريا من جديد ،وبالفعل كانت بوصلتها تتوجّه إلى عفرين هذه المرة ،فلمّوا أغراضهم وثيابهم ،وصورهم وحجار قلعتهم المدمّرة ورحلوا ... الحال هُناك لم يكن بأحسن حال من سروج ،فهوية اللاجئ هي عنوان رسائلهم المغلقة ،والمعاناة نفسها في أي بقعة من الأرض ،أنا لاجيء إذا أنا أعاني ،إن سمح لنا ديكارت أن نعدّل قليلاً من مقولته ،التي قد تختلف مضموناً ،لكن القافية ما شدّتني أن استخدمها... كوباني تحرّرت...هذه المرّة قالها ولدها الصغير بنبرة سعيدة ،مقترنة بزلاغيط وقهقهات صاخبة ،عمّا الفرح في أرجاء بيتها ،وبدأت رحلات أحلامها تسير برفق إلى بيتها ومرتع صباها ،قالت لأولادها: هيّا بنا ،لنعد إلى حيث كنّا ،حيث أخبرني خالكم ،أن بيتنا مازال واقفاً ،مازال وفيّاً لنا ،لم يصبهُ مكروه... دخلوا تركيا مجدداً ،ومنها سيسيرون إلى كوباني.

ليست هناك تعليقات